الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تكون من كلام اللّه تعالى معترضة بين اسمي الموصول ، وعلى كل فهي تعليل لسؤال صرف عذابها عنهم . والغرام : الهلاك الملحّ الدائم ، وغلب إطلاقه على الشر المستمر . وجملة إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يجوز أن تكون حكاية لكلام القائلين فتكون تعليلا ثانيا مؤكّدا لتعليلهم الأول ، وأن تكون من جانب اللّه تعالى دون التي قبلها فتكون تأييدا لتعليل القائلين . وأن تكون من كلام اللّه مع التي قبلها فتكون تكريرا للاعتراض . والمستقرّ : مكان الاستقرار . والاستقرار : قوة القرار . والمقام : اسم مكان الإقامة ، أي ساءت موضعا لمن يستقر فيها بدون إقامة مثل عصاة أهل الأديان ولمن يقيم فيها من المكذبين للرسل المبعوثين إليهم . [ 67 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 67 ] وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) أفاد قوله إِذا أَنْفَقُوا أن الإنفاق من خصالهم فكأنه قال : والذين ينفقون وإذا أنفقوا إلخ . وأريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب وذلك إنفاق المرء على أهل بيته وأصحابه لأن الإنفاق الواجب لا يذمّ الإسراف فيه ، والإنفاق الحرام لا يحمد مطلقا بله أن يذم الإقتار فيه على أن في قوله إِذا أَنْفَقُوا إشعارا بأنهم اختاروا أن ينفقوا ولم يكن واجبا عليهم . والإسراف : تجاوز الحد الذي يقتضيه الإنفاق بحسب حال المنفق وحال المنفق عليه . وتقدم معنى الإسراف في قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً في سورة النساء [ 6 ] ، وقوله : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ في سورة الأنعام [ 141 ] . والإقتار عكسه ، وكان أهل الجاهلية يسرفون في النفقة في اللذات ويغلون السباء في الخمر ويتممون الأيسار في الميسر . وأقوالهم في ذلك كثيرة في أشعارهم وهي في معلّقة طرفة وفي معلقة لبيد وفي ميمية النابغة ، ويفتخرون بإتلاف المال ليتحدث العظماء عنهم بذلك ، قال الشاعر مادحا : مفيد ومتلاف إذا ما أتيته * تهلّل واهتز اهتزاز المهند وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ولا يقتروا بضم التحتية وكسر الفوقية من الإقتار وهو مرادف التقتير . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح التحتية وكسر الفوقية من قتر